ابن أبي الحديد
76
شرح نهج البلاغة
لان المشار إليه لا بد أن يكون في جهة مخصوصة ، وكل ما هو في جهة فله حد وحدود ، أي أقطار وإطراف . قال : " ومن حده فقد عده " ، أي جعله من الأشياء المحدثة ، وهذا حق ، لان كل محدود معدود في الذوات المحدثة . قال : " ومن قال : فيم ؟ فقد ضمنه " ، وهذا حق ، لان من تصور أنه في شئ فقد جعله أما جسما مستترا في مكان ، أو عرضا ساريا في محل ، والمكان متضمن للتمكن ، والمحل متضمن للعرض . قال : " ومن قال : علام ؟ فقد أخلى منه " ، وهذا حق ، لان من تصور إنه تعالى على العرش ، أو على الكرسي ، فقد أخلى منه غير ذلك الموضع . وأصحاب تلك المقالة يمتنعون من ذلك ، ومراده عليه السلام إظهار تناقض أقوالهم ، وإلا فلو قالوا ( 1 ) : هب إنا قد أخلينا منه غير ذلك الموضع ، أي محذور يلزمنا ؟ فإذا قيل لهم : لو خلا منه موضع دون موضع لكان جسما ، ولزم حدوثه ، قالوا : لزوم الحدوث والجسمية إنما هو من حصوله في الجهة لا من خلو بعض الجهات عنه ، وأنتم إنما احتججتم علينا بمجرد خلو بعض الجهات منه ، فظهر أن توجيه الكلام عليهم إنما هو إلزام لهم لا استدلال على فساد قولهم . * * * فأما القطب الراوندي فإنه قال في معنى قوله : " نفى الصفات عنه " : أي صفات المخلوقين ، قال : لأنه تعالى عالم قادر ، وله بذلك صفات ، فكيف يجوز أن يقال : لا صفة له ! وأيضا فإنه عليه السلام قد أثبت لله تعالى صفة أولا ، حيث قال : " الذي ليس لصفته حد محدود " فوجب أن يحمل كلامه على ما يتنزه عن المناقضة .
--> ( 1 ) ب : " قال " .